محمد سعيد رمضان البوطي

27

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

وأخيرا : كيف ندرس السّيرة النّبوية على ضوء ما قد ذكرناه : من المعلوم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، عندما ظهر في الجزيرة العربية ، قدّم نفسه إلى العالم على أنه نبي مرسل من قبل اللّه عزّ وجلّ إلى الناس كافة ، ليؤكد لهم الحقيقة التي بعث بها الأنبياء الذين خلوا من قبل ، وليحمّلهم المسؤوليات ذاتها التي حمّلها الأنبياء السابقون أقوامهم ، موضحا أنه آخر نبيّ مرسل في سلسلة الرّسل الذين تعاقبوا مع الزمن ، ثم زاد نفسه تعريفا لهم فأوضح أنه ليس إلا بشرا من الناس يسري عليه جميع سمات البشرية وأحكامها ، ولكن اللّه ائتمنه - بوساطة الوحي - على تبليغ الناس رسالة تعرفهم بهوياتهم الحقيقية ، وتنبههم إلى موقع هذه الحياة الدنيا من خارطة المملكة الإلهية زمانا ومكانا ، وإلى مصيرهم الذي سيلقونه حتما بعد الموت ، كما تلفت نظرهم إلى ضرورة انسجامهم في سلوكهم الاختياري مع هوياتهم التي لا مفرّ منها ، أي أن عليهم أن يكونوا عبيدا للّه بيقينهم وسلوكهم الاختياري ، كما تحققت فيهم هذه العبودية بالواقع الاضطراري . ثم أكّد لهم بكل مناسبة أنه لا يملك أن يزيد أو ينقص أو يبدل شيئا من مضمون هذه الرسالة التي حمّله اللّه مسؤولية إبلاغها إلى الناس جميعا ، بل أكّد البيان الإلهي ذاته هذه الحقيقة قائلا : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [ سورة الحاقة 69 / 44 - 47 ] . وإذن ، فإن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لم يقدم نفسه إلى العالم زعيما سياسيا ، أو قائدا وطنيا ، أو رجل فكرة ومذهب ، أو مصلحا اجتماعيا . . بل لم يتخذ لنفسه ، خلال حياته كلها ، أي سلوك قد يوحي بأنه يسعى سعيا ذاتيا إلى شيء من ذلك . وإذا كان الأمر هكذا ، فإن الذي يفرضه المنطق علينا ، عندما نريد أن ندرس حياة رجل هذا شأنه ، أن ندرس حياته العامة من خلال الهوية التي قدّم نفسه إلى العالم على أساسها ، لنستجلي فيها دلائل الصدق أو عدمه على ما يقول ! . . وهذا يلزمنا ، بلا ريب ، أن ندرس جميع النواحي الشخصية والإنسانية في حياته ، ولكن على أن نجعل من ذلك كله قبسا هاديا يكشف لنا ببرهان علمي وموضوعي عن حقيقة هذه الهوية التي قدّم نفسه إلى العالم على أساسها . نعم ، ربما كان مقبولا أن نزعم بأننا لسنا مضطرين أن نشغل أفكارنا وعقولنا بهذا الذي أراد محمد صلّى اللّه عليه وسلم أن يشغل الناس به من معاني النّبوة والرّسالة في شخصه ، لو أن الأمر لم يكن متعلقا بمصيرنا ، ولم يكن له من شأن بحريتنا وسلوكنا . أما وإن القضية متعلقة بذواتنا ، وتكشف - إن صحّ الأمر - عن واجبات في المعرفة والسلوك إن لم نسع إلى تحقيقها ، وقعنا من ذلك في مغبة شقاء عظيم وهلاك وبيل ، إذن فالمسألة أخطر من أن نتصور أنها لا تعنينا ، أو أن نمرّ عليها معرضين عابثين ! . .